المساهمة الجزائية (الجنائية)
- قانونيات

- 16 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 31 أكتوبر 2025

قد تُرتكب الجريمة من شخص واحد، وهو الوضع المعتاد، ولكنها قد تُرتكب أيضًا من عدة أشخاص يتعاونون فيما بينهم لتحقيق هدف إجرامي مشترك. في هذه الحالة نكون أمام ما يسمى بـ المساهمة في الجريمة، ويشترط أن يجمع بين هؤلاء الأشخاص رابط معنوي واحد، أي نية مشتركة لتنفيذ الفعل الإجرامي.
مثال: إذا اتفق عدة أشخاص على قتل شخص واحد، وكل منهم ساهم بدور معين في التنفيذ، فهنا نكون أمام مساهمة في جريمة واحدة، حتى إن اختلفت أدوارهم أو درجة تأثيرهم.
أولاً: صور المساهمين في الجريمة
عندما يشارك عدة أشخاص في ارتكاب جريمة واحدة، تختلف أدوارهم بين الفاعل الأصلي والشريك.
1. الفاعل الأصلي
عرّف المشرع الجزائري الفاعل الأصلي في المادة 41 من قانون العقوبات بأنه:
“يُعتبر فاعلاً أصليًا كل من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة أو حرّض على ارتكاب الفعل بالهبة أو الوعد أو التهديد أو إساءة استعمال السلطة أو الولاية أو التحايل أو التدليس الإجرامي.”
كما أضافت المادة 45 ق.ع:
“من يحمل شخصًا لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب جريمة، يُعاقب بالعقوبات المقررة لها.”
وبناءً على هذين النصين، يتبين أن الفاعل الأصلي قد يكون:
فاعلاً مباشرًا،
أو محرضًا،
أو فاعلاً معنويًا.
🔸 (1) الفاعل المباشر
هو الذي يقوم بالفعل التنفيذي للجريمة بنفسه، سواء بمفرده أو مع غيره.🔹 مثال: شخصان قاما بسرقة منزل، الأول كسر الباب، والثاني سرق المحتويات، فكلاهما يُعتبر فاعلًا مباشرًا لأنهما تواجدا معًا على مسرح الجريمة وساهما في التنفيذ.
🔸 (2) المحرض
هو من يدفع شخصًا آخر لارتكاب الجريمة عبر خلق فكرة الجريمة في نفسه.وقد حددت المادة 41 ق.ع الوسائل التي تُعد تحريضًا، وهي:
الهبة: تقديم مال أو منفعة تشجع على ارتكاب الجريمة.
الوعد: إغراء المتهم بمكافأة لاحقة بعد ارتكاب الجريمة.
التهديد: إجبار الشخص على ارتكاب الفعل خوفًا من ضرر يلحقه.
إساءة استعمال السلطة أو الولاية: كأن يأمر المدير موظفه أو الأب ابنه بتنفيذ الجريمة.
التحايل والتدليس الإجرامي: إقناع الشخص بوقائع كاذبة لدفعه للجريمة.
🔹 ملاحظة: يجب أن يتم التحريض قبل ارتكاب الجريمة وأن يُحدث أثره النفسي في نفس المحرض عليه.كما اعتبر المشرع الجزائري المحرض فاعلًا أصليًا، بخلاف الاتجاه التقليدي الذي كان يعتبره شريكًا فقط.
🔸 (3) الفاعل المعنوي
هو من يسخر شخصًا غير مسؤول جنائيًا (كالمجنون أو الصغير غير المميز) لتنفيذ الجريمة.وقد نصت المادة 45 ق.ع على ذلك بقولها:
“من يحمل شخصًا لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب جريمة، يُعاقب بالعقوبات المقررة لها.”
🔹 مثال: شخص يستخدم مجنونًا لإشعال النار في منزل، أو طفلًا صغيرًا لوضع متفجرة في مكان عام.
الفعل هنا يُنسب للفاعل المعنوي الذي استخدم الشخص كـ أداة لتنفيذ الجريمة، وتقوم مسؤوليته حتى عن النتائج غير المقصودة طالما كانت محتملة.
ثانياً: الشريك في الجريمة
يُعتبر الشريك من يُساعد الفاعل الأصلي على ارتكاب الجريمة دون أن يباشر تنفيذها بنفسه.وقد نصت المادة 42 ق.ع على أن:
“يُعتبر شريكًا في الجريمة من لم يشترك اشتراكًا مباشرًا، ولكنه ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحضيرية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك.”
كما أضافت المادة 43 ق.ع أن:
“يأخذ حكم الشريك من اعتاد أن يقدم مأوى أو مكانًا للاجتماع لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد الدولة أو الأشخاص أو الأموال، مع علمه بسلوكهم الإجرامي.”
🔹 إذًا، أفعال الشريك تشمل:
المساعدة في التحضير للجريمة،
تسهيل تنفيذها،
أو إيواء المجرمين بعد ارتكابها.
🟣 ملاحظتان فقهيتان:
لا يُعتبر الامتناع عن فعل (كالسكوت أو عدم التبليغ) اشتراكًا في الجريمة، لأنه لا يُعد عملاً إيجابيًا.
في مسألة “الاشتراك في الاشتراك”، لا يُعاقب “شريك الشريك” إلا إذا كان عالمًا بالمخطط الإجرامي وساهم فيه عن قصد.
ثالثاً: عقوبة المساهمين في الجريمة
(أ) عقوبة الفاعل الأصلي
يُعاقب الفاعل بالعقوبة المقررة للجريمة نفسها وفق نصوص القسم الخاص من قانون العقوبات.🔹 مثال: القاتل يعاقب وفق المادة 254 ق.ع وما بعدها، والسارق وفق المادة 350 ق.ع وما بعدها.
(ب) عقوبة الشريك
نصت المادة 44 ق.ع على أن:
“يُعاقب الشريك في جناية أو جنحة بالعقوبة المقررة للجناية أو الجنحة.”أي أن الشريك يُساوى في العقوبة مع الفاعل الأصلي، متى ثبت اشتراكه بعلم وإرادة.
رابعاً: أثر الظروف على عقوبة المساهمين
(1) الظروف الشخصية
هي الظروف التي تتعلق بشخص المجرم نفسه (كصغر السن أو الاعتياد).🔹 هذه الظروف لا تمتد إلى باقي المساهمين، لأنّها تخص الجاني بذاته.
(2) الظروف الموضوعية
هي الظروف المرتبطة بالفعل الإجرامي ذاته (كحمل السلاح، أو وقوع الجريمة ليلاً).🔹 هذه الظروف تسري على جميع المساهمين إذا كانوا على علم بها.فإن لم يعلم أحد الشركاء بظرف مشدد، فلا تُشدّد عليه العقوبة.
خلاصة:
المساهمة في الجريمة تقوم على وحدة النية الإجرامية وتعدد الأدوار.الفاعل الأصلي هو من يقوم بالفعل التنفيذي أو من حرّض أو استخدم غير مسؤول جنائيًا،أما الشريك فهو من قدّم دعمًا أو مساعدة مع العلم بالفعل.ويُعاقب الجميع بنفس العقوبة ما لم تتوافر ظروف شخصية خاصة تميز أحدهم.




تعليقات